27 ديسمبر، 2010

في توضيح لمكتب السيّد علي فضل الله :
السيّد الراحل لم ينف أنّ السيّدة الزّهراء(ع) ظلمت

أرسل مكتب سماحة العلامة السيّد علي فضل الله بياناً إلى صحيفة الوطن الكويتيّة، صحّح فيه بعض المعلومات الخاطئة الّتي أوردتها الصّحيفة، عندما نسبت إليه أنه قال : "إنّ السيّد ينفي أنّ السيدة الزهراء(ع) ظلمت"، والصّحيح أنّ سماحة السيد علي فضل الله قال: "إنّ السيّد لا ينفي أنّ السيّدة الزّهراء(ع) ظلمت"، وفيما يلي نص البيان:

جانب إدارة تحرير صحيفة الوطن الكويتية الغرّاء

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد..

جاء في النصّ الذي أوردته صحيفتكم الكريمة في المقابلة الّتي أجراها الزّميل عبّاس دشتي مع سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، أنّ سماحته قال: "لذا فإنّ السيّد ينفي أنّ السيدة الزهراء(ع) ظلمت"، والصّحيح أنّ السيّد علي قال: "إنّ السيّد لا ينفي أنّ السيّدة الزّهراء(ع) ظلمت"، وهو النّصّ المثبت في بداية الفقرة الّتي بيّن فيها سماحته موقف والده المرجع الرّاحل(قده). وجاء فيه: "إنّ السيّد لم يشكّ في مظلوميّة السيّدة الزّهراء(ع) في حياتها، وهذا يعرفه الكلّ من خلال خطبتها".

كما نلفت عنايتكم الكريمة، وعناية قرّاء صحيفة الوطن المحترمة، إلى أنّ العنوان الوارد في الصّفحة الأولى، والمتضمّن حادثة الاعتداء على السيّدة الزّهراء(ع)، لم يكن متناسباً ومنسجماً على الإطلاق مع مضمون حديث سماحته.

لذا نامل من جانبكم نشر هذا التّوضيح، شاكرين تعاونكم.

المكتب الإعلاميّ لسماحة السيد علي فضل الله

التاريخ: 20 محرّم 1432 هـ الموافق: 26/12/2010 م

السيد علي فضل الله استقبل وفد جبهة البناء اللّبنانيّ:
صوت الوحدة والمحبّة سيهزم أصوات الفتنة

دعا العلامة السيّد علي فضل الله إلى تعزيز مناخات الوحدة الإسلاميّة، من خلال اللِّقاء على مستوى المساجد الّتي ينبغي أن تكون لها رسالتها الوحدويَّة بعيداً عن المذهبيَّة، مشدِّداً على التنبّه إلى من ينفخ في بوق الفتنة المذهبيّة، مؤكِّداً أنَّ صوت المحبَّة والوحدة سيكون هو الغالب في نهاية المطاف.

استقبل سماحته وفداً من جبهة البناء اللّبناني، برئاسة أمينه العام، الدّكتور المهندس زهير الخطيب، يرافقه فضيلة الشّيخ محمود صبوح، والحاج خضر الرفاعي، حيث جرى عرضٌ للمستجدّات، والوضع الإسلاميّ العام، وسبل تعزيز الاستقرار الدّاخليّ.

ووضع الدّكتور الخطيب سماحته في ظروف إطلاق جبهة البناء اللّبنانيّ وأهدافها، مشيراً إلى أنَّه استمع إلى الرّأي الشّرعيّ حول المستجدّات الوطنيَّة واللّبنانيَّة، داعياً إلى مواجهة الخطر الّذي تمثّله المحكمة الدّوليَّة المسيّسة، لأنَّها تستهدف المقاومة واستقرار اللّبنانيّين وأمنهم.

ودعا سماحة السيِّد علي فضل الله إلى التنبّه إلى خطورة ما يُحاك ضدَّ لبنان وضدَّ الوحدة الإسلاميَّة والوطنيَّة، مشيراً إلى أنَّ المؤامرة الدّوليَّة نهدف إلى التّفتيت والتّمزيق في الواقع العربيّ والإسلاميّ، فإذا جاء التّفتيت عن الطّريق المذهبيّ سعت إليه، وإن كان عن طريق الطّائفيّة، توسّلت إليه هذا السّبيل، وإلا عملت على تحريك المشاعر في المسائل القوميّة وما إلى ذلك.

وشدّد سماحته على إغلاق منافذ الفتنة هذه، بالسّعي إلى تعزيز الوحدة الدّاخليّة، وحماية الوحدة الإسلاميّة بكلّ الأساليب والإمكانات المتاحة، مشيراً إلى أنّ من أفضل الطّرق لتعزيز مناخات الحوار والوحدة في الواقع الإسلاميّ، تتمثّل في اللّقاء من خلال المساجد الّتي ينبغي العمل على أن تكون مواقع توحيديّةً، لا أن تختصّ بهذا المذهب أو ذاك المذهب.

وحذّر سماحته من النّافخين في بوق الفتنة المذهبيّة، مشيراً إلى أنّ لعبتهم مكشوفة، لوجود أصواتٍ عاقلةٍ وشخصيّاتٍ تتحرّك في خطّ الوحدة والحكمة، مؤكّداً أنّ صوت المحبّة والوحدة سوف يكون هو الغالب في نهاية المطاف.

مكتب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رض)
التاريخ: 21 محرّم 1432 هـ الموافق: 27/12/2010 م

العلامة السيِّد علي فضل الله لـ «النَّهار» الكويتية:
ولاء الشِّيعة في الكويت والمنطقة لأوطانهم


يحمل أفكار ومبادئ والده العلامة المرجع الرّاحل السيّد محمد حسين فضل الله، كما يحمل هموم وطنه كأنّما لم يحملها غيره من الحريصين على وحدة لبنان واستقراره.

وبمناسبة زيارته إلى الكويت، التقت «النّهار» العلامة السيّد علي فضل الله، رئيس جمعيّة المبرّات الخيريّة ومؤسَّسات المرجع الرّاحل السيّد محمد حسين فضل الله، الّذي يعتبر أنَّ زيارته للكويت فرصة طيّبة ومحطّة مهمّة، وخصوصاً بعد لقائه صاحب السموّ، والرّسالة الّتي حمّله إيَّاها إلى جميع اللّبنانيّين، وحرصه على أن يتوحّد اللّبنانيّون، ليمنعوا مريدي الفتن من تحقيق مآربهم وغاياتهم.

السيّد فضل الله يؤكّد أنّ شيعة الكويت ولاؤهم الأوّل والأخير هو لوطنهم، لا لأيّ جهةٍ أخرى.

وقد دعا السيِّد فضل الله جميع المسلمين إلى التّركيز على إسلامهم، ومواجهة التحدّيات الّتي تواجههم، بدلاً من التّفكير في قضايا داخليّة يمكن أن تفرّقهم.

كما دعا إلى أن تكون عاشوراء لجميع المسلمين، معلّلاً ذلك بأنّ سيّدنا الحسين(ع) خرج لجميع المسلمين، وكان ولا يزال نقطة التقائهم، لأنّه كان يدافع عمّا أمر به جدّه سيّدنا محمّد بن عبد الله(ص).

وبهدوء كبير، وبابتسامة المتواضع، تطرّق فضل الله في حديثه إلى مسؤوليّة العلماء في توحيد الأمَّة، ونشر الوعي داخل المجتمعات، مؤكّداً أنَّ ما تشهده السَّاحات الإسلاميَّة من مشادات طائفيّة، غايتها الوحيدة تحقيق مكاسب سياسيّة.

فضل الله الّذي أحبّ لبنان، ويأمل تجاوز الأزمة الحاليّة، وألا تتطوّر إلى صراعٍ شيعيّ ـ سنّي، أدلى بالإجابات التّالية:

عاشوراء في الكويت:

*نعيش في هذه الأيّام ذكرى عاشوراء، كيف وجدتم إحياء هذه الذّكرى في الكويت؟

ـ يشعر الإنسان بأنَّ هناك سعياً حثيثاً بجعل عاشوراء ما أمكن إسلاميّة، وهذا نلمسه بما يقدّم من محاضراتٍ ومواعظ، كما أنّنا دائماً ندعو إلى تقديم الحسين(ع) في عنفوانه وقوّته ورباطة جأشه وإيمانه، ولا نريد أن تبقى عاشوراء في دائرة خاصّة، لأنّ الحسين(ع) هو نقطة التقاء جميع المسلمين، والجميع يعتبرونه "سيّد شباب أهل الجنّة"، وهو من رسول الله كما قال(ص): "حسين منّي وأنا من حسين"، فالجميع يمجّدون الحسين(ع)، وما يراه الإنسان في مصر يؤكّد هذه المقولة.

وعلينا أن نطلق العناوين الحسينيَّة في الفضاء الواسع، لأنَّ شعارات الحسين هي شعارات إسلاميَّة، وقد كان كلُّ همِّه أن يحفظ الإسلام، وأن يبقيه نقيّاً وصادقاً...

والحسين(ع) كان الخليفة الشَّرعيّ للمسلمين في تلك الفترة، وقد انطلق في حركته ليمنع الظّلم والطّغيان الّذي حصل من الحاكم الظَّالم والفاجر والمستبدّ.

ونحن ندعو دائماً إلى أن نزيل من عاشوراء كلّ ما يسيء إليها، ومن ذلك ضرب الرّؤوس وجلد الذّات بالسَّلاسل، وغير ذلك مما نعتبره محرَّماً من النّاحية الشّرعيَّة، لأنَّ مواساة الحسين لا تكون من خلال ذلك، وإنّما من خلال السّير على نهجه والأخذ بمواقفه. وقد رأينا لدى الواعين في الكويت، سعياً متنامياً بعدم تقديم عاشوراء بهذه الصّورة، وهذا ما سمعناه خلال هذه الزّيارة، وخصوصاً بمنع بعض الأشعار الّتي كانت تقدّم سابقاً، والّتي كانت تحتوي على نوعٍ من الغلوّ والتّجريح والتّجاوز للحدود، ولذلك بتنا الآن نحسّ بأنَّ هناك سعياً لجعل عاشوراء إسلاميّةً منفتحةً على الآخر، وتقديمها بالصّورة الصَّحيحة.

تأكيد على الإصلاح

*هناك متشدّدون من الطّائفتين الشّيعيّة والسنيّة، وقد ذكرتم أنّ سيّدنا الحسين(ع) يعدُّ نقطة التقاء المسلمين، كيف نوظِّف خصال هذا الإمام ومكارمه لجمع شمل المسلمين والقضاء على التعصّب؟

ـ ذلك يتمّ عندما نؤكّد أنّ الحسين(ع) كان إسلاميّاً بشعاراته، خرج للدّفاع عن جميع المسلمين، وليس عن طائفةٍ معيّنة دون أخرى، فالحسين (ع) كان يريد إصلاح الواقع الإسلاميّ، وأن يؤكّد ما دعا إليه النبيّ والقرآن:

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}[آل عمران: 104]، وكذلك قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}[التّوبة: 71].

وقد كانت أهدافه(ع) منطلقةً من تعاليم رسول الله(ص)، ولذا قال: "أيّها النّاس، سمعت رسول الله(ص) يقول: من رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغر (يغيّر) عليه بفعلٍ ولا قولٍ، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنَّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشَّيطان، وتركوا طاعة الرَّحمن، وأظهروا الفساد... "، هذا هو الهدف الأساس.

وعندما نقدّم عاشوراء بهذه الصّورة، نستطيع أن نجعل منها إسلاميّةً، وكذلك عندما لا نثير التّشنّجات والعصبيّات المذهبيّة في عاشوراء، من خلال استحضار ما ورد في التّاريخ بطريقةٍ غير علميّة، وعندما نوضح معنى السّيرة الّتي تطرح في عاشوراء، وأيضاً عندما نزيل بعض الأجواء الّتي تساهم في وضع الحواجز بين أصحاب المذاهب الأخرى وعاشوراء، ونطالب بأن يكون هناك وعيٌ لتقديم عاشوراء بصورة إسلاميّة، ونجعلها منفتحة، وندعو المسلمين جميعاً، وخصوصاً السنّة، إلى أن تكون عاشوراء قضيّةً تعنيهم، لأنّ الحسين(ع) استشهد لإعلاء مبادئ الإسلام، ومن أجل أن يكرّس ما قاله وما جاء به الرّسول(ص)، ولينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، ولتصويب المسار الإسلاميّ، وهذا ما ينبغي أن نؤكّده.

ولذلك، ندعو المسلمين جميعاً إلى أن يتعاطوا مع عاشوراء كقضيَّة إسلاميَّة، وليس كقضيَّة شيعيَّة، وهذا يحتاج إلى لقاءٍ وتفاهمٍ بين المسلمين، ونحن نرى إيجابيّةً في هذا الأمر في لبنان وفي سورية، عندما يشارك علماء من السنَّة في عاشوراء، ويتحدَّثون في المناسبة، ونريد أن تعمّ هذه الظّاهرة كلّ الدّول الإسلاميّة، وأن تكون مكاناً يتحدّث فيه الجميع، لنـزيل الحساسيَّات، ولنصوِّب مسار عاشوراء، لأنَّها ليست من الشّيعة مقابل السنَّة.

مكاسب سياسيَّة

* ألا تعتقد أنَّ هناك من يريد تحقيق مكاسب سياسيَّة، لإثارة مثل هذه الحساسيَّات الّتي تحدَّثنا عنها، وخصوصاً في احتفالات عاشوراء؟

ـ أكيد أنَّ البعض يحمل هذا الفكر من أجل تأجيج الواقع السّياسيّ، وقد يكون الأمر أيضاً ناتجاً من جهل البعض بمنطلقات الحسين(ع)، بحيث يوجّهها بالاتّجاه الخطأ، والبعض أساساً لا يشعر بأنّه معنيّ بموضوع الوحدة الإسلاميّة، ويهمّه أن يبقى الشّيعة في دائرتهم وينعزلوا عن الآخرين.

فلا بدَّ من أن يشعر الإنسان عندما يفكِّر إسلاميّاً، بأنَّ الوحدة الإسلاميَّة هي دعوة القرآن... {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}[آل عمران: 103].

فالله سبحانه وتعالى يحثّنا على النّظر إلى إيجابيّاتٍ توحّدنا كمسلمين لنصنع حضارةً، وعندما اختلفنا وتجذّر الخلاف بيننا، وسمحنا للّذين يريدون أن يصطادوا في الماء العكر، حصل ما حصل في الواقع الإسلاميّ، وانقلبت الصّورة، وأصبح المسلمون على هامش الحياة.

مسؤوليَّة العلماء

* ألا تعتقدون أنَّ هناك مسؤوليّةً تقع على علماء الإسلام بمختلف طوائفهم فيما يحدث؟

ـ العلماء عليهم مسؤوليَّة كبيرة، ودورهم هو محاربة البدع إذا ظهرت، وإخماد أجواء التشنّج والاختلاف، والمطلوب منهم أن يقوموا بدورهم.

ونحن نثمِّن ما صدر أخيراً عن شيخ الأزهر، وبعض الفتاوى أيضاً الّتي صدرت عن علماء شيعة بتحريم سبِّ الصّحابة وأمَّهات المؤمنين، ونحن نريد أن نؤكِّد أهميَّة الحوار، ولكن هذا لا يكفي، فلا بدَّ من أن يكون للواعين والمثقَّفين دورٌ في هذا الإطار، وكذلك الحكّام، وكلّ إنسانٍ في موقعه لا بدَّ من أن يطلق كلمة الإصلاح، كما أمرنا سبحانه وتعالى، وعلينا أن نؤكِّد وحدة المسلمين.

تقع على عاتق العلماء مسؤوليَّة كبيرة، ودورهم هو محاربة البدع إذا ظهرت، وإخماد أجواء التشنّج والاختلاف

تدخّلات أجنبيّة

* هناك من يتّهم أطرافاً أجنبيّة بمحاولة إثارة هذه الفتن بين مختلف الطّوائف والمذاهب الإسلاميّة، وخصوصاً بين السنّة والشّيعة، ما رأيكم في هذا الرّأي؟

ـ هذا الموضوع هو مشروع قديم ـ حديث، ونحن نؤكّد أنّه لا بدَّ من أن نتحسّس أنّ هناك مشروعاً أجنبيّاً ضدّنا، وذلك لموقع العالم الإسلاميّ الاستراتيجيّ، وللثّروات الطّبيعيّة الموجودة في هذه الدّول، ولذلك، سيبقى هذا العالم دوماً عرضةً للمؤامرات، ومن مصلحة الآخرين ألا نكون أقوياء. ولكنَّنا نركّز دائماً على ألا ينساق المسلمون وراء هذه الأجواء، لأن المشكلة ليست في الآخر، فالقويّ دائماً يسعى لكي يبقى الآخرون ضعفاء، والمسلمون يعرفون المآرب الأخرى، لكنّهم يصرّون على إضعاف أنفسهم.

*الشّارع العربيّ، وفي التفافه حول المقاومة اللّبنانيّة في حرب تموز 2006، أثبت سقوط نظريّة الانتماء الطّائفيّ، وكرّس نظريّة الانتماء إلى الوطن والإسلام، فلماذا توجّه الاتهامات دائماً إلى الشّارع بأنّه منقسم، هل من مصلحة في ذلك؟

ـ هذا طبيعيّ لمن يسعى لإثارة الفتنة الطّائفيّة، ومنع تقريب المسلمين بعضهم من بعض، وتفتيت مواقع القوّة لديهم، وعلى المسلمين أن يكونوا واعين، وألا يسمحوا للآخرين بأن يسقطوا مواقع قوّتهم، وهذا الكلام موجّه إلى الجميع، وفي أيّ موقعٍ كانوا.

فهذا الالتفاف لم يكن الأوّل ولن يكون الأخير، إذ نجد أنّ باكستان الّتي تعدّ قوّةً إسلاميّةً نوويّةً الآن، تتعرّض لهجماتٍ إرهابيّة، وهذا الأمر مدبّر وينطبق على جميع المسلمين.

تشويه الإسلام ومحاربته

*هناك من علماء السنّة من نادوا بعدم نشر المذهب الشّيعيّ في الدّول السنيّة، وعدم نشر المذهب السنّيّ في الدّول الشّيعيّة، وذلك منعاً لوقوع فتنة. كيف ترون هذه الدّعوة، وهل بإمكاننا الالتزام بها؟

ـ نحن نؤكّد ضرورة أن لا نعيش أزمةً داخل الإسلام، لأنّ أزمتنا ليست هنا، وإنّما هي في الاستكبار الّذي يسعى لإسقاط الإسلام، ولانتزاعه من نفوس أبنائنا، وتشويه صورته في الخارج، وألا يكون لنا أيّ قوّة، فلا بدّ من أن نتوجّه لمحاربة هذه الأشياء، وألا نشعر بأنّ هناك أزمةً داخل الإسلام.

المدّ الشّيعيّ في المنطقة

*هناك أيضاً من يتّهم إيران بنشر المذهب الشّيعيّ في المنطقة، ليكون لها مواطن نفوذ. كيف ترون ذلك؟

ـ أعتقد أنّ شيعة العالم، وليس شيعة المنطقة فقط، ولاؤهم الأوَّل هو لأوطانهم، وحرصهم هو للحفاظ عليها، وهذا ما نعرفه في لبنان، إذ هناك حرص على بقاء لبنان قويّاً في مواجهة إسرائيل، وهذا ما نجده أيضاً في شيعة الكويت، حيث إنّهم يحرصون على سلامة الكويت وأمنها، والمرجع الدّينيّ الراحل السيد محمد حسين فضل الله(رض)، كان دائماً يحرص على أن يكون الكويتيّون أمينين على بلدهم، ونحن دائماً في لقاءاتنا نؤكّد حرصنا على قوّة الكويت، لأنَّ قوَّتها هي قوّة للعرب وللمسلمين، ويستفيد منها الجميع، وهذا ينطبق على جميع الدّول العربيّة الأخرى، فنحن نؤكِّد ضرورة ألا يشعر المسلمون بالخوف من بعضهم البعض، وهناك من يسعى لأن يشعر السنّة بالخوف من إيران، أو أن يشعر المسلمون الشّيعة بالخوف من المملكة العربيّة السّعوديّة مثلاً، في سعيهم لتأزيم العلاقة بين الدّول الإسلاميّة والمسلمين، ولا بدَّ من أن لا نستكين لهذا الجوّ، وأن نؤكّد أنّ المسلمين هم وحدة، وأن نزيل ما يفرّقنا. ومن يدَّعي أنَّ هناك تيَّارات تعمل للامتداد الشّيعيّ في المنطقة، أو للامتداد السنيّ، وأنَّ هناك أموالاً طائلةً تصرف في هذا المجال، فأين الأرقام الّتي تتحدّث عن هذا الأمر؟ وهل يعقل أن ينشر المعتقد أو الفكر بالأموال؟ أعتقد أنّ هذه الفكرة لن تكون بالضّرورة صحيحةً، إذ يمكن للمال أن يؤلّف كتاباً لكي ينشر فكراً، ولكنّ الفكر لا بدَّ من أن يكون مقنعاً ليأخذ به الآخرون، ولذلك قد تكون هناك مبالغة في هذا الأمر.

الصّراع الطّائفيّ

* لماذا ظهرت هذه الفتن مع ظهور أزمات سياسيّة في العالم العربيّ، وخصوصاً بعد تحرير العراق، حيث ظهرت هناك أزمة طائفيَّة؟ ومن له المصلحة في ذلك، وخصوصاً أنّ العراق مثلاً تخلّص من حاكمٍ جائر؟

ـ مع الأسف، لقد صوّر الصّراع في العراق بعد سقوط النّظام البائد على أنّه صراع سنّي ـ شيعيّ، وهذا غير صحيح، لأنّ الواقع يدلّ على أنّ هناك صراعاً سياسيّاً داخل العراق، وكذلك في لبنان، حيث نجد أنّ فريق 8 آذار فيه سنّة وشيعة ودروز ومسيحيّون، وفي المقابل، نجد أنّ فريق 14 آذار أيضاً يحوي مختلف الطّوائف والدّيانات، ولذلك نجد أنّ الصّراع السياسيّ في العراق مثلاً، يمكن أن يشمل أطرافاً موجودين في الحكم، أو أطرافاً من الحكم البائد وأطرافاً من الحكم الجديد.

فهناك من يستخدم الورقة المذهبيّة والطائفيّة للإثارة في الواقع السياسيّ...

فما يحدث في لبنان حاليّاً، يصوّر على أنّه مشكلة بين السنّة والشّيعة، وهناك سعيٌ لإشعال فتيل الصّراع السنّي ـ الشيعيّ، من خلال توجيه الاتهام الى شخصية من الطّائفة الشّيعيّة، بارتكاب جريمة اغتيال شخصيّة سنيّة قياديّة.

نحن ندعو إلى أن تبقى الأمور في نصابها القضائيّ، لكن مع الأسف، نرى أنَّ الأمور تأخذ منحى آخر، ونقول للعالم العربيّ والإسلاميّ إنَّ قوَّته في وحدته، وإنَّ جميع الأمم تتوحَّد، مثل الاتّحاد الأوروبيّ والولايات المتّحدة، رغم أنّ توحّدهم في الشّكل وليس في المضمون، فالعالم العربيّ والإسلاميّ معنيّ بمواجهة التحدّيات التي تواجهه، والّتي لا يمكن أن يتخطَّاها إلا بوحدته، وعليه ألا يسمح بالاستفراد بأيِّ بلدٍ عربيّ أو إسلاميّ، أو أن يُترك ليعاني وحده، لأنّنا إذا بقينا على هذه الحال، فستسقط القدس، وستسقط فلسطين وجميع قضايانا.

استشراف مستقبل لبنان

*رغم أنّ حديثنا أخذ منحى دينيّاً، إلا أنّها مناسبة لأن نستشرف رؤيتك لمستقبل لبنان في ظلّ ما يحدث، وفي ظلّ ما لمستموه من تخوّفٍ لدى أمير الكويت حول هذا الموضوع.

ـ مع الأسف، لبنان لا يزال محكوماً بعدم الاستقرار، ومع الأسف، لا يزال اللّبنانيّون يصرّون على ألا يستقروا، لعدم وعيهم الكافي للمخاطر الّتي يمكن أن تفتك بهم، سواء من الخارج أو الدّاخل.

فنحن دائماً ندعو إلى الجلوس إلى طاولةٍ واحدة، ولكن هناك تشتّت، والكلّ يريد أن ينفّذ مشروعه ويضحّي بالآخر، لذلك نحن نرى أنّ المستقبل لن يكون مستقرّاً إذا ما بقي اللّبنانيّون على هذه الحال، وقد آن الأوان لأن نغيّر طريقة التّفكير، وألا يستفيد الخارج على حساب الوطن، وإذا لم يتحقّق ذلك، فلن يكون لبنان على خير.

فما نشهده هو ظاهرة، وقد تتبعها ظواهر أخرى، والمهمّ أن يبدأ اللّبنانيّون بالتّفكير وبالانفتاح على بعضهم بعضاً، وأن يخرج كلّ واحدٍ من طائفيّته ومن مذهبيّته لحساب الوطن، وأن يفكّر الجميع في أنّ لبنان يحتاج إلى روح الوحدة لمواجهة جميع التحدّيات.

فبعد كلِّ الآلام والأحزان الّتي يعاني منها اللّبنانيّون على المستوى السياسيّ، وعلى المستوى الأمنيّ، لا بدَّ من أن يفكِّروا بقلبٍ واحدٍ، وبشكلٍ جدّيّ، وأن ينطلقوا من قاعدةٍ واحدةٍ تمكِّنهم من أن ينقذوا لبنان، وأن يحبطوا كلّ المشاريع الّتي يراد تنفيذها، والّتي تسوّق انطلاقاً من السّاحة اللّبنانيّة.

لقد آن الأوان أن يتحلّق اللّبنانيّون حول طاولةٍ واحدةٍ، وأن يستمعوا إلى صوت العقل ومصلحة الوطن.

هناك تخوّفات حقيقيّة لما ستحمله الأيّام المقبلة، لكن لنبق متفائلين.

العمل الخيريّ

*نختم بالحديث عن عملكم الخيريّ، وخصوصاً أنّ لبنان، كما ذكرت، يعدّ ساحةً للتَّجاذبات السياسيّة الدّوليّة أو لهجماتٍ صهيونيّة، ما الدّور الّذي تقومون به من خلال ترؤّسكم لهذه المبرّات، وما مصادر التّمويل؟

ـ هي مناسبة أخرى لأتوجّه بالشّكر للقيادة الكويتية ، على قيامها بإعادة بناء مبرّتنا ، في الخيام ، بعدما تعرّضت لقصفٍ إسرائيليّ في حرب تموز 2006، ونحن نعمل كباقي المؤسّسات والمبرّات الخيريّة الموجودة، على مساعدة الأيتام والأرامل والمحتاجين، وخصوصاً أنّ الحرب الأخيرة أضافت أسماء أخرى إلى قوائم الشّهداء واليتامى والأرامل، كما لدينا جانب تثقيفيّ وتعليميّ نساهم به في نشر الوعي لدى النّاس.

وتبقى هذه المؤسّسات تعمل على إعداد برامج اجتماعيّة وخيريّة وتمدّ يدها إلى الجميع.

أمّا مصادر تمويلها، فنحن نعتمد على أهل الخير، وعلى التبرّعات الّتي تقدّم، وبالطّرق القانونيّة.

*هل لديكم تبرّعات خارجيّة؟

ـ لا، نحن لا نعتمد على هذه التبرّعات، وإنما جلّ اعتمادنا هو على التبرّعات من اللّبنانيّين والمحسنين.

سميرة فريمش

التاريخ: 13 محرّم 1432 هـ الموافق: 19/12/2010 م

22 ديسمبر، 2010

العلامة السيّد علي فضل الله لـ "الدّار" الكويتية:
لن يجرؤ أحد على جرّ لبنان إلى الفتنة

أكد سماحة العلامة السيّد علي فضل الله في لقاء مع جريدة "الدّار" الكويتيّة، وجود مساعٍ مضادَّة للجهود السّعوديَّة – السّوريَّة، لتأزيم الأوضاع بعد صدور القرار الظنّي عن المحكمة الدَّوليَّة الخاصَّة بمقتل رئيس الوزراء اللّبنانيّ رفيق الحريري، ولكن حتى الآن، لا يزال هناك أمل.

وردّاً على تأكيد التّكفيريّين في لبنان مؤخّراً، تقديم (أجسادهم رخيصةً) لصدِّ حزب الله والمعارضة، رأى سماحته أن لا مصلحة لأحدٍ بجرِّ البلد إلى الفتنة، مشيراً الى ان هناك خشيةً من الموقع المتقدّم لقوّة المقاومة في لبنان، الّتي بات يحسب لها حسابٌ في العالم.

وتحدَّث سماحته في اللّقاء عن الإرث الّذي حمله في المحافظة على مسيرة والده في تنقية التّراث الشّيعيّ، وعدم توريث المرجعيّة وتحويلها إلى مؤسّسات، مشيراً إلى الوصايا الأخيرة لسماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، وفي مقدَّمها القضيّة الفلسطينيّة، الّتي يستطيع المسلمون من خلال دفاعهم عنها، تعليم العالم بأنّ المسلمين لا ينامون على ضيم، وعندها لن يتجرّأ أحد على أخذ موقعٍ من مواقعهم.

الوضع اللّبنانيّ

* بدايةً، سمعنا كلاماً صريحاً حول وجود عراقيل أميركيّة - إسرائيليّة لجهود "س.س". هل هذا يعيد التخوّف من عدم الوصول إلى حلّ قبل صدور القرار الظنّي المرتقب؟

- هناك سعي فعلاً لإجهاض هذه المبادرات، ولا سيّما المبادرة السّعودية ـ السوريّة، ولكن حتّى الآن لا يزال هناك أمل رغم الخوف الّذي أشرت إليه.

الخشية من التّكفيريّين

* ولكن يظلّ هناك تيّاران في لبنان، أحدهما مقاوم، والآخر يسير ضمن الأجندة الأميركيّة، ولا بدّ من انتصار أحدهما. ما تصوّرك للتّداعيات التي ستحصل في ظلّ ظهور ما كان متخوّفاً منه، عبر استغلال التّكفيريّين لهذه الأزمة لتفجير الوضع، وقد سمعنا "داعي الإسلام الشهّال» يقول إنَّ أجسادهم ستكون رخيصةً في سبيل صدّ حزب الله والمعارضة؟

- نحن لا نعتقد أنَّ من مصلحة أحد جرّ البلاد إلى الفتنة، لأنَّها لن ترحم أحداً، وعندما يسقط الهيكل، فسيسقط على رؤوس جميع أبناء البلد. لكن من الطّبيعيّ أن يسعى البعض لكسب مواقع القوّة في مواجهة الآخر، وهناك عمليّة ضغطٍ من جانب، وردّ من الجانب الآخر، ولا نعتقد أنَّ الأمور ستصل إلى الفتنة أو التَّفجيرات الّتي يهدِّد بها البعض، ولا شكّ في أنَّ هناك خشيةً لدى الكثيرين من الموقع المتقدِّم لقوَّة المقاومة الّتي بات يحسب لها حسابٌ في لبنان والعالم.

ولذا لا نعتقد أنَّ هناك من يتجرَّأ على جرِّ البلاد إلى هذه الفتنة بالشَّكل الّذي يؤدّي إلى حرب، والجميع في لبنان باتوا يعرفون أن ليس أمامهم سوى خيار وأد هذه الفتنة، لأنّهم في النّهاية سيجلسون على طاولةٍ مشتركة، ونأمل أن لا يتأخّروا في الوصول إلى حلّ، حتّى يوفّروا على البلد أزماتٍ سياسيّة تلقي بظلالها على الوضع السياسيّ والاقتصاديّ، كما نخشى أن يتدخّل البعض ليعكّر الوضع الأمنيّ.

قرية الغجر

* هل تعتبرون أنّ الحديث عن انسحابٍ إسرائيليّ من قرية الغجر هو مناورة، أم محاولة لسحب البساط من تحت أقدام حزب الله، وتصوير الموقف بأنّ الدّبلوماسيّة تحرّر الأرض؟

- نعتقد أنّ إسرائيل تسعى إلى الإشارة من خلال ذلك بأنّ موقفها إيجابيّ، للتّغطية على جرائمها داخل فلسطين، والسّير قدماً في عمليّة الاستيطان وما يجري للمسجد الأقصى، وهذا ما تعوّدناه من العدوّ، بإعطاء صورةٍ بأنّه يريد الحلّ، فيما الباقون يعرقلون مساعي السّلام، لينفِّذ بعد ذلك مشاريعه كما يريد.

حلف جديد

* كيف تنظرون إلى قيام حلفٍ جديدٍ في الشّرق الأوسط يضمّ إيران - تركيا - سورية - لبنان؟

- نحن دائماً نؤكّد أهميّة توافق الدّول العربيّة والإسلاميّة في مشروعٍ توحيديّ، ونريد أن يكون هذا الحلف جامعاً، وهو ما نريد أن نؤكّده، أنّه لا خيار للعالمين العربيّ والإسلاميّ أمام كلِّ هذه الهجمات الّتي يتعرَّض لها من اتّحادات العالم «أميركا - أوروبّا - روسيا»، لا يمكن أن يواجهوا كلّ ذلك إلا من خلال توحيد الجهود. لذلك ندعو إلى هذا التَّوحّد، وأن لا يشعر المسلمون بالخوف من بعضهم بعضاً، بل أن يتنبَّهوا لأميركا ولكلّ دول الاستكبار الّذين يريدون أن يسقطوا الواقع العربيّ والإسلاميّ وابتزازهما وتهديد ثرواتهما.

حركة الإصلاح

* المرجع الرَّاحل السيِّد محمَّد حسين فضل الله(رض)، مثَّل علامةً بارزةً في إصلاح التّراث الشّيعيّ. هل ستكملون هذه المسيرة مستقبلاً؟

- نحن نشعر بعد وفاة سماحة السيِّد(رض)، أنَّ هناك عملاً متنامياً ووعياً متزايداً في الواقع الشّيعيّ بضرورة تنقية المذهب الشّيعيّ مما ليس فيه، وهذا لا يعدُّ تنازلاً عن بعض ما ورد في الفكر الشّيعيّ، بل على العكس، يعدُّ تأكيداً لهذا الفكر في صفاته ونقائه، ومن المسؤوليّة أن نقوم بذلك، استمراراً للدّور الّذي كان يحرص عليه أهل البيت(ع)، بأن يبقى الإسلام نقيّاً صافياً، ولهذا من الطّبيعيّ أن نشعر بالمسؤوليّة، ولكنَّها مسؤوليّة الجميع أيضاً، ونعتقد أنَّ هناك عملاً مستمرّاً في هذا الاتجاه، وسنرى آثاره في الواقع إن شاء الله.

المرجعيّة المؤسّسة

* للسيّد فضل الله(رض) فكر يوازي فكر الشَّهيد الصَّدر في تحويل المرجعيّة إلى مؤسّسة. هل ستسعون إلى هذا الهدف بعد وفاة والدكم؟

- سماحة السيِّد قدَّم طرحاً متقدِّماً حول هذه المسألة، بحيث لا تنتهي أعمال المرجعيَّة بوفاة المرجع، ويمكن في هذا المجال دراسة نموذج الفاتيكان، قد لا تكون الصّورة كما هي في «الفاتيكان» الّذي يموت فيه «بابا» ويأتي «بابا» جديد، ولكن المؤسَّسات التَّابعة تبقى مستمرّةً من بعده، ولا تتحوَّل إلى إرثٍ شخصيّ. فالسيِّد(رض) كان يدعو إلى أن يلتقي المراجع، وتكون لهم مؤسَّسة جامعة لهم، وبعدها يعيّنون أحدهم ليكون هو الواجهة والنَّاطق الرّسميّ باسمها، وأن تكون كلّ أعمال المراجع تابعةً لهذه المؤسَّسة. أمّا المال، فينبغي أن يكون مالها، حتَّى يسهم في تعزيز الواقع الإسلاميّ والشّيعيّ بشكلٍ خاصّ، وأن يكون هناك دراسات للعمل حسب الأولويَّات، وهذا ما نطمح إليه.

لا توريث للمرجعيّة

* هل هذا يفسّر عدم توريث مرجعيّة السيّد فضل الله؟ وهل كانت هناك وصيّة بذلك من سماحته قبل وفاته؟

- على مستوى المرجعيَّة، لم يوص سماحته بهذا الأمر، فالمرجعيَّة لا تورَّث، كما العلم لا يورَّث، إلا إذا استطاع الإنسان أن يصل بعلمه إلى مستوى المرجعيَّة. أمَّا فيما يتعلّق بمرجعيَّة سماحة السيّد(رض)، فقد بقي الكثير من النّاس على تقليدهم له، وهو ما تنصّ عليه الفتاوى بجواز تقليد الميت، أمَّا في المسائل المستحدثة، فلا بدَّ من الرّجوع إلى مرجع حيّ، مع أنّنا نعتقد أنّ من يقلّد سماحة الوالد، لن يرى فراغاً في الأحكام الشّرعيّة، نظراً إلى غزارة الإنتاج عنده، وإجاباته عن الكثير من المسائل في رسالته العمليّة.

آخر وصاياه

* ماذا كانت آخر وصايا سماحته عندما التقيت به ورأيته لآخر مرّة؟

- كانت وصيّته تأكيد قوّة المسجد والمحافظة على دوره، وكذلك تأكيد الوحدة الإسلاميّة في فكرها وقوَّتها في مواجهة التحدّيات. ومن الوصايا الّتي أشار إليها القضيَّة الفلسطينيّة الّتي كان يعتبرها أمّ القضايا، لأنَّه إذا سمح لها العرب والمسلمون بالسّقوط فستسقط بلدانهم، وإذا حفظوها، فسيعلّمون العالم درساً بأنّ المسلمين لا ينامون على ضيم، ولن يتجرّأ عندها أحد على أخذ أيِّ موقعٍ من مواقعهم.

* ماذا لمست من خلال لقائك بالجالية اللّبنانيَّة في الكويت؟ وهل شعرت بأنَّ هناك تخوّفاً لديهم على مستقبل بلدهم؟

- نشعر بالاعتزاز لحيويَّة اللّبنانيّين الموجودين في الكويت، وشعورهم بالمسؤوليَّة تجاه هذا البلد الّذي يقيمون فيه، وقد رأينا أنَّهم يحرصون على أمنه وقوَّته، ويسعون في مواقعهم إلى أن يخدموه في اقتصاده، ووجدنا هذا التَّأكيد على ذلك منهم، وشعرنا بأنهم يخافون على بلدهم لبنان، وأكَّدنا لهم أنّ عليهم الاطمئنان بأنّه لن تكون هناك فتنة، رغم واقع لبنان اللامستقرّ، وسيكونون أقوياء لمواجهة ما يحاك لهم. ولا بدَّ من شكر الكويت لاستضافتها إيّاهم، وتأمينها حرّيّة العمل لهم، كما نشكرها حكومةً وشعباً على ما تقدّمه من خدماتٍ جليلةٍ في مواقع مختلفة في العالمين العربيّ والإسلاميّ، وما قدّمته للبنان خصوصاً، ودورها إبّان حرب تموز في المساهمة في إعمار ما هدّمته آلة الحرب الإسرائيليّة.

وتبقى الكويت بلد عطاء وخير، وصمّام أمان للعرب والمسلمين.

علاقة لبنان بمصر

* ماذا عن العلاقة بين لبنان ومصر..؟

ـ مصر تعتبر قلب العروبة، ومن الضّروريّ فتح آفاق التّحاور معها ومع كافّة دول العالم الإسلاميّ، من منطلق أنّنا كلّنا على قاعدة واحدة، ويجمعنا جميعاً الإسلام.

محمود بعلبكي

التاريخ: 8 محرّم 1432 هـ الموافق: 14/12/2010 م

21 ديسمبر، 2010

عظمة إسلامنا!

كلّما تعمّقنا بإسلامنا أكثر، كلّما شعرنا بعظيم المنّة الإلهيّة، أن جعلنا معاصرين للزمن الذي بدأ مسيرته رسول الله محمّد (ص)، وكلّما أدركنا حجم الخسارة التي نخسرها ونحن بعيدين عن منهله، وعن معينه العذب؛ وتمثّل في ذلك أمامنا قول الله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الحجرات:17].

ذلك أنّنا أمام دين لا تنفصل فيه الروح عن المادّة، وبالتالي لا تنفصل فيه القيم الروحيّة عن الحياة في أدنى مفرداتها؛ فلا يعيش الإنسان الازدواجيّة بين حياته الدينية وبين حياته العامّة.

تستطيع أن ترتفع في آفاق الروح وأنت تلتذّ بمأكلك ومشربك، وأنت تلبس أجمل الثياب وأفخرها، وأنت تسكن أفخم البيوت، وتجني أكبر الأرباح في كسبك وتجارتك، وذلك عندما تستشعر في نفسك أنّ كلّ ما أنت فيه هو نعمة منحها الله لك، وهو قادرٌ على الذهاب بها، فلا يقودك ذلك إلى زهوٍ فارغ، ولا خيلاء جوفاء، ولا كبرياء خالية، كما قال قارون عندما قيل له أن يشكر ولا يتكبّر، وأن يستعمل النعمة في خطّ المسؤوليّة: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي). ويأتيه البيان الحقّ: (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)[القصص:78].

المادّة ليست لديك إلا وسيلة عيش، ويُمكن لك أن تعيش تجاهها كلّ بشريّتك؛ لكنّ الدين هو الذي يقول لك: لا تأسرْ روحَك كلُّ زخارف الدنيا، ولا تنغمس في شهواتها وملذّاتها إلى الحدّ الذي تنسى فيه ربّك ومسؤوليّتك، بل تبقى متوازناً إذا أقبلت الدنيا عليك، ولم تسقط إذا أدبرت عنك؛ كما قال تعالى: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)[الحديد:23]. وبذلك لست بحاجة إلى الهروب عن الحياة، بحلوها ومرّها، بيُسرها وعُسرها، وعن صراعاتها ومشاكلها؛ بل أنت في كلّ ذلك تُمارس إيمانك، في القول الذي تقوله، وفي الموقف الذي تقفه، وفي الحركة التي تتحرّكها؛ لأنّ الله في كلّ ذلك ووراءه ومعه.

الإسلام هو دين الحياة، يغلّفها بقيم الروح حتّى لا تجمّد المادّة الإنسان وتشدّه إلى الأرض حيث بإمكانه أن يخترق حجب السماوات العُلى، وحتّى لا تسجنه شهوةٌ فلا يعود يملك أمامها إرادةً وهو الذي بإمكانه أن يُزيل الجبال ولا يزول.

وعندما نقول إنّه دين الحياة، فليس معنى ذلك أن نكيّفه مع الحياة كيفما كان، فيذوب ـ حينئذٍ ـ مع كلّ تيّار ومع كلّ انحراف؛ بل إنّ الله جعله للحياة؛ لأنّه لا معنى لدينٍ لا يملك القدرة على مواكبة الحياة، ويفرض على أتباعه أن ينعزلوا عنها في مجتمعاتٍ خاصّة، أو في مغاراتٍ نائية، أو في صوامع تغيب معها أبعاد الإنسان المتنوّعة التي على أساسها استحقّ أن يكون خليفة الله في أرضه؛ وفهمُ الدِّين لا بدّ أن يتحرّك بروحيّة منفتحة على الحياة؛ ليُنتج للحياة دينها الذي يوجّهها ويوجّه إنسانها، ولا يصوغ للإنسان دينه الذي يعزله عن الحياة؛ والله من وراء القصد.


التقييم بين الضبابيّة والملموس

نتداول في حياتنا اليومية كثيراً من العناوين والأوصاف نَصِف بها أشخاصاً لنشير إلى نقاط القوّة وعناصر القيمة في شخصيّاتهم فيما يختصّ بمكانتهم الاجتماعية بالنسبة إلى هذه الدائرة أو تلك، فنقول ـ مثلاً ـ إنّ فلاناً مخلص في عمله تجاه الآخرين، أو أنّه مسلم، أو أنّه مناضل، أو أنّه ثوريّ، وما إلى ذلك مما لا ينفد تعداده ولا ينتهي ذكره وبيانه.

لا تبدو ثمّة مشكلة في كلّ ذلك، لأنّ الأوصاف والعناوين تحمل دلالات على نوعيّة الشخصيّة في ميزان القيمة، ما يفتح الباب أمام التفاعل الإنساني، من خلال الحاجات المتبادلة، ليقوم الإنسان باستثمار هذه القيمة أو تلك في هذا المجال أو ذاك.

لكن قد تبدو المسألة بحاجة إلى نوع من التأمّل، خصوصاً عندما يتّصل الأمر بميدان العمل؛ لأنّ تلك الأوصاف القيمية بحاجة إلى أنّ تتحلّل إلى وقائع ملموسة قابلة للقياس، وذلك لكي تخرج عن أن تكون مجرّد انطباعات ساذجة أو عناوين فارغة، كما أنّ مسألة التقييم هي مسألة نسبيّة، فقد تختلف من شخص إلى آخر نتيجة لنوعيّة الاحتكاك وكمّيته، حيث تجد من يعتبر إنساناً آخر من الثقات الذين يُعتمد عليهم في أكثر من جانب، بينما يراه آخر ـ نتيجة لاطّلاعه على بعض ما لم يطّلع عليه ذاك ـ غير موثوق به كلّياً أو لا يمكن الاعتماد عليه إلا في بعض الجوانب دون بعض.

وعلى هذا الأساس، ومن أجل الوصول إلى معايير واضحة وموحّدة في مسألة التقييم لا بدّ من تحليل العناوين والأوصاف إلى مفردات لها مظاهر على مستوى السلوكيّات والتصرّفات يمكن قياسها وحسابها وتعدادها. فالمخلص في عمله هو الذي يجري وفق قوانين العمل فلا يخالفها، وهو الذي تتقدّم عنده مصلحة العمل على المصلحة الشخصيّة؛ لأنّه يعتبر نفسه دائماً جزءاً من كل، وهو الذي ينشد التعاون والتكامل مع أقرانه من العاملين في نفس الإطار ويبتعد عن الفرديّة، وما إلى ذلك.. فإنّك إذا شكّلت استمارة مثلاً أمكنك ببساطة أن تحصي الوقائع التي يخالف فيها القوانين، أو يراعي فيها مصالحه الشخصية على حساب تدمير العمل، أو يرفض التعاون مع الآخرين، وعندئذٍ فإنّ بالإمكان أنّ تتحوّل صفة الإخلاص إلى أرقام ونسب بدلاً من أن تكون صفة معلّقة في الهواء قد تكتشف ـ إذا ما دقّقت في مظاهرها ـ أنّها لا تعدو نسبة الـ 10% من مجمل السلوكيّات.. يعني: مخلص بنسبة 10% فقط‍‍ .

ولعلّه تحسُن الإشارة هنا إلى ما ورد في الحديث عن الإمام الباقر (ع) في صفات الشيعة، حيث يقول (ع): "والله ما شيعتنا إلا من اتّقى الله وأطاعه، وكانوا يُعرفون بالتواضع والتخشّع وصدق الحديث وكانوا أُمناء عشائرهم في الأشياء،..."، فإنّه (ع) حوّل صفة التشيع إلى مفردات يمكن ملاحظتها وحسابها وقياسها في سلوكيّات الحياة اليومية، والتي تسمح ـ إلى حدّ كبير ـ بإعطاء حجم القيمة الفعلية من خلال ذلك. وكذلك الأمر فيما ورد في تحديد من هو المسلم في بعض الروايات حيث تقول: "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه"، ثمّ تحلّل روايات آخرى طبيعة تلك السلامة بمفردات محدّدة كعدم الاعتداء على ماله وعرضه وعدم سبّه وتعاهده بالنصيحة والمودّة وما إلى ذلك.. والله من وراء القصد.


حول فلسفة الحرّية في الإسلام

ثمّة بُعدٌ تستهدفه الحرّية في الإسلام، مفهوماً وتطبيقاً، لا يبدو أنّه ملحوظ في الاتّجاهات الوضعيّة، وهو ما يتّصل بالحرّية تجاه النفس والذات، بمعنى أن يكون الإنسان حرّاً تجاه شهوات نفسه وغرائزها وأطماعها وما إلى ذلك ممّا قد يتحرّك ـ في طبيعته ـ بعيداً عن ضوابط العقل والتوازن.. لأنّ الحرّية هي أن يملك الإنسان إرادته، في اختياره بين الخيارات المتاحة، فيملك أن يقول لا في موقعها، وأن يقول نعم في موقعها.. أمّا الاتّجاهات التي تقتصر فقط على البُعد الاجتماعي، فنراها قد شطحت ـ بطريقة وبأخرى ـ في تمجيدها للحرّية الفرديّة إلى المستوى الذي أمسى فيه المجتمع نفسُه، بل أصبحت الحضارة نفسها أسيرة النوازع والإغراءات والأطماع الشخصيّة، بما جعل حركة المجتمع مقيّدةً بحدود ما يشبع تلك النوازع ويحقّق تلك الأطماع. ولذلك نجد القرآن الكريم يعطي الهوى الذاتي صفة الألوهيّة، فقال تعالى: }أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه{؛ لأنّ الأمر ـ من ناحية عمليّة ـ هو عمليّة استعبادٍ للنفس أمام الهوى الذي لا يتحرّك ـ بطبيعته ـ في إطار ضوابط متوازنة..

ولعلّنا هنا نجد أنّ المفهوم الإسلامي للحرّية ينطلق من أمرين:

الأوّل: عقيدة التوحيد التي تربط الإنسان بالله تعالى وحده، ما يرتفع بالإنسان عن كلّ الموجودات، ليملك حرّيته أمامها، فلا يستعبده أيّ موجود، وإنّما يتمثّل الإنسان حرّيته أمام كلّ المخلوقات التي يتشارك معها عبوديّته لله، كما قال تعالى: }إنّ ما تدعون من دون الله عباد أمثالكم{، لينطلق في سلوكه معها من خلال عبوديّته لله، في ما يأمر به وينهى عنه.

الثاني: اعتبار العقل هو الضابط الرئيس لحركة الحرّية، بمعنى أنّ عقيدة التوحيد هي التي تُعطي العقل الموازين التي يضبط فيها إرادته أمام نفسه وأمام خارجها، بما قد يُنظر إليه من جانبٍ على أنّه تقييد لحركة الذات، ولكنّه ـ في الحقيقة ـ حركة انعتاق لها وتحرّر يكاد يكون مطلقاً تجاه الوجود كلّه عدا الله تبارك وتعالى.. وحتّى عندما يقيّد الإنسان حركته في إطار الدِّين فإنّما يقيّدها من موقع حرّيته عبوديّته لله فقط، ممّا أكّده له العقل في موازينه التي يُدرك فيها حقائق الأشياء، ويضبط فيها مسار الإنسان في اتّجاهها.

ولذلك، فإنّ النظرة إلى الدِّين على أنّه حركة تقييد للنفس وللذات، هي نظرة مجتزأة؛ لأنّها لا تقيس المسألة على أساس المنطلقات التي يرتكز عليها الدِّين نفسه؛ لأنّ هذه المنطلقات تمثّل منظومة متكاملة، تبدأ من التوحيد الذي يضبط حركة الإنسان في الحياة حتّى في أدقّ تفاصيل حياته. أمّا قياس مسألة الحرّية في الإسلام على أساس فلسفة الحضارة الغربيّة، التي تمجّد الفرد والجسد وتغرق في المادّة، فهو قياسٌ خاطئ؛ لأنّه قياسٌ مع الفارق في المنطلقات والرؤية؛ والله من وراء القصد.