20 ديسمبر 2010

الإمام الخوئي:
السيد فضل الله هو مجتهد وله رأيه ويده يدي ولسانه لساني




إستغرب الشيخ ياسر عودة - من علماء الشيعة في لبنان - عبر حوار إلكتروني مطوّل أن يطلب البعض شهادة من الآخرين في حق المرجع الديني الأعلى في لبنان آية الله العظمى الامام السيد محمد حسين فضل الله ، في حين أن الآخرين كانو يحتاجون لشهادة السيد على حد وصفه.

وقال عودة: «غير السيد يحتاج إلى من يشهد له ,أما السيد(رض) فبروزه العلمي والقرآني والفقهي ومجالات أخرى ,يعطي شهادات للآخرين .ومنذ أن اتى إلى لبنان وإلى آخر أيام مرضه ,لم ينقطع عن التدريس للخارج ,حتى تحت القصف والظروف الأمنية الصعبة ,كان يستاء كثيرا إن تركنا الدرس ,ويحثنا دائما على حضور الدرس في أحلك الظروف ».

ويعتقد الشيخ ياسر وهو استاذ في الحوزة العلمية ،بأعلمية المرجع فضل الله في الوقت المعاصر، قائلاً: «بالنسبة لسماحة السيد فضل الله (رض) نحن على الأقل لا نعتقد أن هناك شخصا أعلم منه,خصوصا مع العناصر الكثيرة في شخصيته الفكرية والعلمية التي إمتاز بها في المرجعية الحركية عن المرجعية التقليدية».

من جانب آخر اعتبر الشيخ عودة أن مقلدي السيد الذين مازالوا على تقليده لن يحتاجون إلى المسائل الجديدة إلا بعد خمسين سنة ، قائلاً: « لقد أفتى رضوان الله عليه بالجديد إلى 50 سنة على الأقل,فلا أظنّ أنك ستجد مرجعا بعد 50 سنة ,يستطيع أن يأتي بما أتى به سماحة السيد(رض)».

كما دعا إلى البقاء على تقليده إستدامةً أو حتى إبتداءً بالرجوع إلى بعض المراجع الذين يجيزون تقليد الميت إبتداءً كالمرجع ابراهيم الجناتي.

من جانب آخر كشف عودة عن رسالة خطية من زعيم الطائفة الشيعية في النجف الأشرف آية الله العظمى الامام السيد ابو القاسم الخوئي يشهد فيها بإجتهاد تلميذه ووكليه المطلق في لبنان آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله .

كلام الشيخ عودة جاء جواباً على تساؤل طرحه أحد المشاركين حول الحملة التي إنطلقت ضد السيد فضل الله لإسقاط مرجعيته والتشكيك في إجتهاده، حيث قال: «.. لسماحة السيد إجازة بالإجتهاد من السيد الخوئي (رض) ,ومن غيره وكلمة الشهيد الصدر (رض) :"كل من خرج من النجف خسر النجف إلا السيد فضل الله ,فقد خسرته النجف " دليل على تفوقه في مجالات عدّة ,ووصوله إلى أعلى الدرجات التي يعطي من خلالها علم واسعا ,كالفقهاء والمجتهدين».

وأضاف الشيخ عودة: «وأنا أعلم شخصيا أن المرحوم السيد عبد الرؤوف فضل الله (رض) كان يرجع الناس في الإحتياط خصوصا في نجاسة أهل الكتاب ,ونجاسة الكفار بشكل عام إلى السيد فضل الله في ذلك الوقت الذي أتى به من النجف ».

واستشهد الشيخ عودة بالوكالة المطلقة التي لاتعطى إلا للعالم المجتهد عادةً والتي منحها الامام الخوئي للسيد فضل الله أيام الثمانينات الميلادية عندما عاد إلى لبنان، مستشهداً بحادثة قديمة حيث يقول: «اني أذكر ان بعض علماء لبنان أرسلوا للسيد الخوئي(رض) أن السيد فضل الله إستحوذ على المال في قضية مفصلة ,في أول مبنى وهو مبرة السيد الخوئي في الدوحة ,فرد عليهم السيد الخوئي ,من دون الرجوع إليه " إن وكيلنا المطلق السيد فضل الله ,هو مجتهد وله رأيه ويده يدي ولسانه لساني " ».

كما تساءل احد المشاركين عن عدم حصوله لتقريرات بحث السيد الراحل في النجف ، فقال عودة: «لا أدري لما هي ليست موجودة ,ولكن لو قصدتم مكتب السيد (رض) هناك ,لربما كانت موجودة ,أما في النجف فلا يخفى عليك ما فيها وموقفهم من سماحة السيد(رض)».

هذا وقد تطرق الشيخ ياسر عودة إلى مواضيع متفرقة في هذا اللقاء ، فقد تحدث في البداية عن علاقته بأستاذه المرجع فضل الله وقربه منه ،قائلاً : «أكثر ما أذكره فيه(رض),البديهة وسرعة الجواب وإستحضار القواعد والأدلة عندما نسأله عن أي مسألة ,حتى آخر يوم إلتقينا بهِ,بقيت هذه البديهة موجودة عنده ,وأيضا ملاحظته لأدق الأمور مثلا : "للضوء إذا كان مشتعلا في النهار ",أيضا نذكر"منعنا من التكلم عن الذين أساؤوا إليه وإلينا,حفاظا على الوحدة الإسلامية","وصيته لنا دائما بأن نعلن حالة الطوارئ الثقافية والفكرية لنكون في مستوى التحديات",وغيرها من ذكريات كثيرة لا يسع المجال لذكرها ».

وفي سؤال حول فكرة السيد بالمؤسسة المرجعية ومدى امكانية تحقق هذا المشروع في الوقت الراهن او مستقبلا ، أجاب: «المؤسسة المرجعية ,هي من أرقى النظريات الإسلامية المطروحة,وقد طبقها رضوان الله تعالى عليه,ولو جزئيا على مستوى المؤسسات التي لا نظير لها في تاريخ المرجعية,أما تحققها عبر مجلس مرجعي يصدر فتوى موحدة فهذا يبقى في إطار التمنّي,بل أعتقد أنه مستحيل في الوقت الراهن,حتى يأتينا جيل جديد من المرجعيات التي تحمل عقل المؤسسة لا عقل الفرد ,كما كان رضوان الله تعالى عليه ».

اما حملة التسقيط التي تعرض لها المرجع الراحل ، فيقول عنها الشيخ عودة : «المفروض أن نتعاطى مع الناس بأخلاق الإسلام وأن ندفع بالتي هي أحسن ,وإن كنت أعتقد -شخصيا- ان الذين هاجموا سماحته رضوان الله عليه ,لا يملكون أدنى مراتب التقوى ولا الورع ولا الخوف من الله سبحانه وتعالى ,لأنهم كذبوا وحرّفوا وزوّروا وشوّهوا وصدّروا فتاوى وحكموا غيابيا ,من دون أن يقرأو قراءة واعية ,أو يسألوا ,والحكم من دون سماع ولا قراءة لا دين فيه ,لأن بين الحق والباطل أربعة أصابع ,فالحق أن تقول رأيت ,وأكثر الذين التقيناهم إدعوا الرؤيا ,وعندما واجهناهم بالمكتوب والحقيقة ,تبين كذبهم الصريح,والباطل ان تقول سمعت ,ومع الأسف مرجعيات دينية وعلماء بنوا أحكامهم على السماع والشيطان يكون موجودا عندما تحكم على شخص من دون أن تسمع منه,وأبسط قواعد القضاء قبل إصدار الحكم أن تسمع من الطرفين ,وأي تقوى تحكم هؤلاء وهذا أقوله للتاريخ فقط».

وحول توثيق بعض القضايا في هذه الحملة ضد الراحل ، قال : «لا أعرف إن كان مركز الدراسات عند سماحته -رض- يقوم بهكذا أعمال,ولكن هناك شيئ من هذا».

وعن السبب التي شنت من أجله الحملة ضد المرجع السيد فضل الله ، قال: «من لهم مصلحة في عدم إنتشار مرجعية فضل الله(رض) لتثبيت مرجعيات الآخرين ,لأن فضل الله كان يشكل عقبةً كبيرة أمام كل المرجعيات من جهة تمايزه العلمي والسياسي والإجتماعي والفكري والثقافي وغير ذلك وإنفتاحه على الناس ومعايشتهم وحمل همومهم وحلّ مشاكلهم ولقاءه بهم في كل المناسبات وتصديه للكثير من الواجبات اليومية وعيشه مع الناس ,وإنفتاحه على كل المسلمين وغيرهم من خلال موقعه في لبنان ,ومن خلال تميزه عن المرجعيات التقليدية ,بمرجعية حركية منفتحة على العالم ,تتحرك في كل الساحات وتتصدى لكل المشكلات.فلو ترك من دون حملة ضده ,لكن المرجع الوحيد بلا منازع وهذا سيشكل عقبة أمام الكثيرين,ولا أرى أي سبب للحملة عليه غير هذا السبب ,وقد شارك بعد ذلك في الحملة الحاقدين والمتخلفين والمتزمتين وأصحاب العقول الضيقة والخرافيين ,واصحاب المصالح المتعددة الذين لم يفهموا الإسلام ولا القرآن إلا معلبا في أطر التخلف والخرافة والأكاذيب».

وحول علاقة مرجعية السيد فضل الله بالمرجعيات الأخرى ،أجاب: «ما اعرفه ان مرجعية سماحة السيد(رض) كانت مرجعية حركية منفتحة على كل الواقع ,وحتى المرجعيات التي ضاقت صدورهم وعقولهم من إستيعابه وفهمه وقراءته (رض) ».

وأضاف: «نحن نأسف ونحزن لهذه الفرقة بين المرجعيات ولعدم مناصرتها لبعضها البعض ,مع إحترامنا للجميع ».

وحول علاقة السيد فضل الله بالسيد السيستاني، قال : «في بدايات مرجعية سماحة السيد(رض) بحدود علمي كان يرسل له السيد السيستاني ليرسل له السيد فضل الله من مؤلفاته ,خصوصا كتاب "الحركة الإسلامية " و "في ظلال الإسلام" "الحوار الإسلامي المسيحي" ,ولكن بعد ذلك لا أدري ماذا حصل ,وليس كل ما يُعلم يُقال».

ويعلق احد المشاركين في الحوار بأن أحد مساعدي السيستاني كان يتحدث عن اعجاب الاخير بكتب فضل الله حتى انه كان يُقبلها بعد الانتهاء من قرآءتها ،وخصوصاً كتاب "الحوار الاسلامي المسيحي" الذي نال اعجاب السيستاني فأعاد قراءته ثلاث مرات .

وعن قضية الصراع الدائر بين المرجعيات الدينية ،قال الشيخ عودة : «ولكنني احب كثيرا وأتمنى ان يصل إلى آذان المراجع كل المراجع,هذه الكلمة وهي : "قبل ان يحكموا على الشخص ,لا بد أن يتبعوا أبسط قواعد القضاء ,التي يفتون بها " ,وثانيا لا بد أن يسمعوا ويقرأو جيدا من نفس الشخص ,وليس من الحاشية التي تضل وتحرف عن المسار والطريق وثالثا,لا بد أن يقفوا إلى جانب المظلوم كما اوصا أمير المؤمنين (ع) ولديه : كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا,رابعا : أبدي أشد الإستغراب والإستنكار لما أسمعه ,بل أقرأه من تصريحات بعض المراجع في حقّ الراحل الكبير (رض) والتي لا أستشم فيها أي رائحة للخوف من الله ». واكتفى الشيخ عودة بهذا التعليق العام دون أن يقصد أحد على حد تعبيره.

وفي موضوع آخر أجاب الشيخ عودة على تساؤل حول المرتبة العلمية لتلامذة المرجع الراحل ، قائلاً: «أنا أعتقد بأن ولداه سماحة السيد علي ,وسماحة السيد جعفر هما في خط الإجتهاد ,وأعتقد بأنهما أهل لإصدار بعض الفتاوى ولو جزئيا ».

وفي جواب آخر قال بأن الشيخ حسين الخشن وهو من ابرز تلامذة المرجع فضل الله يسير في خط الإجتهاد ايضاً .

وفي السياق ذاته ذكر الشيخ عودة ان المرجعان إسحاق الفياض وإبراهيم الجناتي قد أجازا للعلامة السيد علي فضل الله قبض الحقوق الشرعية للإستمرار في رعاية المبرات والمؤسسات التي أسسها الراحل .

وفي تساؤل عن نية أحد تلامذة السيد أو أبناءه بالتصدي للمرجعية الدينية ، أجاب: «نعم, ولكن في المستقبل ,ولا يريدون ليحرقوا المراحل ,ولكن أرى أن سماحة السيد علي فضل الله ربما يتصدى للمرجعية مستقبلا ,وهناك من تلامذته من هو في طريق الإجتهاد».

وحول رغبة بعض الشخصيات الدينية في لبنان بالتصدي للمرجعية ، قال الشيخ ياسر عودة : «هم أحرار فيما يطرحون ,ونحن لدينا من نعتقد أنه في مستوى عالي من العلم والمعرفة ومؤهل لطرح مرجعيته ,ولكن بعض الظروف تمنعه من ذلك ».

وفي موضوع المقاومة الإسلامية ، قال : «ما أعرفه أن سماحة السيد -رض- ,هو مربي وراعِ حركة المقاومة منذ نشأتها وخصوصا لكثير من القيادات فيها».

والشيخ ياسر عودة هو من قرية عاملية حدودية في جنوب لبنان تسمى برعشيت, من مواليد عام 1969 ميلادية,وقد دخل في طلب العلم سنة 1984 م في المعهد الشرعي الإسلامي -حوزة سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله(رض),ودرس فيها المقدمات وشيئا من السطوح ثم ذهب إلى مدينة قمّ المقدسة عام 1989م,ليكمل علومه, وتابع فيها السطوح على أيدي علماء بارزين في قم من أعلام حوزتها, حيث درس فيها عند آية الله نور محمّدي ,وآية الله الهرندي ,آية الله الأيرواني,والسيد عادل العلوي..وغيرهم,وقد تتلمذ مطوّلا عند آية الله الدماوندي ، ثم عاد أدراجه إلى لبنان,والتحق بحوزته الأم مجدداً حيث حضر دروس البحث الخارج عند العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض) عام 1992م ,ولازمه طوال تلك المدة إلى ان انتقل إلى جوار ربّه عام 2010م، وله عدة نشاطات إجتماعية ودينية منها إمامته لصلاة الجماعة ، وممارسة الخطابة ،وإلقاء المحاضرات ،والمشاركة في الندوات والمؤتمرات ، وتأسيس بعض اللجان والنشاطات الثقافية كما يقوم بالتدريس في حوزة المعهد الشرعي .
السيد احمد الخميني يتحدث عن مكانة السيد فضل الله عند والده الامام الخميني


قال السيد احمد نجل الامام روح الله الموسوي الخميني متحدثاً فيه عن العناية الخاصة التي كان يوليها الامام الخميني بالمرجع السيد فضل الله .

وقال السيد أحمد الخميني : كان والدي يستقبل الناس، و له اوضاع مختلفة ، فمنهم من يضع له يده على صدره وهو جالس و منهم من يقوم له ربع او نصف قيام، و منهم من يقوم له من مجلسه..

ويضيف السيد أحمد : إلا السيد محمد حسيــن فضل الله، فإن والدي يقوم من مجلسه و يستقبله عند باب الدار، و هذا خير دليل على قيمتــه.

وكان الباحث والمفكر العراقي السيد عادل القاضي قد تحدث في إحدى محاضراته عن علاقة مميزة كانت تجمع الامام الخميني بالسيد فضل الله .

ويحكي احد المرافقين للسيد أثناء زيارة له إلى إيران أن قائد الثورة الاسلامية السيد علي الخامنئي قال له "حافظوا على هذه الدرة الثمينة التي لا يوجد مثلها في العالم الإسلامي" .

وربما تتجلى هذه العلاقة أكثر في بيان التأبين الذي أصدره قائد الثورة الاسلامية آية الله السيد علي الخامنئي حينما وصف المرجع السيد فضل الله بالرفيق المخلص والمقرب من الجمهورية الاسلامية ونظامها .

«من الذات إلى المؤسسة»
كتاب جديد يتحدث عن تجربة السيد فضل الله



« قاسم قصير - مؤسسة الفكر الاسلامي المعاصر » : عن دار الإسلام في لندن صدر كتاب جديد لسماحة العلامة السيد حسين الشامي تحت عنوان "الفقيه المجدد المقدَّس السيد محمد حسين فضل الله: من الذات إلى المؤسسة"، وهذا الكتاب محاولة جديدة من أجل دراسة لتجربة السيد فضل الله على صعيد المرجعية الدينية وبناء المؤسسات، إضافة لمواكبة الأطروحات الفكرية والعملية التي طرحها السيد وردود الفعل حولها، كما يواكب الكتاب حدث رحيل السيد من خلال ملاحق خاصة وتوثيق المواقف وبيانات النعي التي صدرت بعد رحيله.

المقدمة

في مقدمة الكتاب يستعرض المؤلف السيد حسين الشامي أهم المميزات التي اتصف بها السيد فضل الله والأسباب والظروف التي ساهمت في بلورة المشروع الفكري لسماحته ومما قاله في هذا المجال: "يُعد العلامة المرجع سماحة آية الله العظمى السيد فضل الله (قدس الله روحه الزكية) أحد أبرز الفقهاء الواعين والمفكرين والمجاهدين في الساحة الإسلامية، فقد شكلت حياته وحركته ظاهرة متميزة منذ بدايات النصف الثاني للقرن العشرين الميلادي... ولا شك أن لجامعة النجف الأشرف العريقة ذات الألف عام دوراً كبيراً في تعميق وبناء هذه الأصالة في فكره وحركته، وتشكيل عقله وبناء شخصيته الموسوعية.. كما أن للساحة اللبنانية المنفتحة على قضايا الفكر والسياسة والإعلام دوراً آخر في انطلاقته وحواراته في مختلف القضايا السياسية والمجالات الثقافية والاجتماعية المتنوعة.

ويضيف المؤلف "أن من الخصائص والمميزات في شخصيته: الاهتمام بالحركة الإسلامية وحمل همومها وتطلعاتها والتنظير لمفردات مسيرتها الفكرية والعملية، حتى أضحت مصطلحات: "الإسلام الحركي"، "الحالة الإسلامية"، "الواقع"، "الساحة"، "الانطلاق والانفتاح"، "المسألة والقضية"، "أسلوب الدعوة والتوازن"، "العمل والعاملين"، "الحياة والإنسان" وما شابه ذلك من المفردات، من مختصات قاموسه الثقافي المتداول في أدبيات الحركة الإسلامية المعاصرة وفي مختلف الساحات والمواقع.

ولعل كتابيه "خطوات على طريق الإسلام" و"الحركة الإسلامية.. هموم وقضايا" من الكتب الرائدة التي تعبر عن هذه الحقيقة.

إنجازات السيد ومميزاته

ثم يستعرض الكاتب أهم الإنجازات الفكرية والعلمية لسماحة السيد ومنها: العمل للتقريب بين المذاهب الإسلامية، حمل لواء الحوار الإسلامي ـ المسيحي وضرورة فتح آفاقه الرحبة في العناصر المشتركة بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات السماوية، الدعوة للإصلاح، التجديد في كيان المرجعية الدينية، الإبداع والتجديد والريادة في دراساته الفقهية والتميز بالجرأة والشجاعة في عرض الآراء الفقهية ومناقشة آراء السلف الصالح وعدم الوقوف عند المألوف والمشهور، تميز بحوثه في التاريخ والتراث بالنقد والتقويم وعدم الاستسلام للقضايا التي تخالف المنهج العلمي السليم، إعداد الموسوعة التفسيرية "من وحي القرآن" والتي تجلت فيها أبعاده المعرفية ذات الأصالة والعمق والشمولية، البعد الأدبي والتجربة الغنية في الشعر والخطابة والتبليغ، إنجازاته الإنسانية ومشاريعه الخيرية التي انتشرت في لبنان والعالم الإسلامي.

فصول الكتاب

ويتضمن الكتاب بعد ذلك عدة فصول تتناول القضايا التالية:
1- السيد فضل الله وآفاق الفكر الحركي.
2- مشروع المرجعية المؤسسة في فكر السيد فضل الله.
3- أضواء على الأزمة التي أثيرت حول "السيد" بشأن آرائه حول ما تعرضت له السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
4- دور "دار الإسلام" في مواجهة الأزمة.
5- ملاحق ووثائق مصورة حول رحيل السيد وما قيل عنه وبيانات النعي.

وقد حرص المؤلف على التركيز على دور سماحة السيد على الصعيد الفكري والعملي فتحدث عن هموم الأمة في فكر السيد فضل الله وتطور نشاطاته منذ كتابه الأول "أسلوب الدعوة في القرآن" وهو من أوائل الكتب الحركية التي شهدتها الساحة الإسلامية، ومن ثم كتابه "قضايانا على ضوء الإسلام" والذي يتناول قضايا الأمة الحساسة وواقعها المعاصر، لينطلق بعد ذلك إلى كل القضايا العملية والتحديات التي واجهت العاملين على مدار الخمسين عاماً من حياته، وصولاً لمشروعه التجديدي حول "المرجعية الدينية" والتي تتشابه حسب رأي الكاتب "مع مرجعية الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، فمرجعتيه كانت نتيجة حاجة الأمة إليها، ولم يتصد للمرجعية إلا بعد أتت إليه قطاعات الأمة تريد مرجعيته، ولذلك عندما تصدى لها تعامل معها على أنها مسؤولية وحالة إسلامية يجب أن تتعمق في الأمة وأن تسير وفق مشروع إصلاحي جديد".

مشروع المرجعية الجديدة

وعن مشروع السيد التجديدي للمرجعية الدينية الشيعية يستعيد الكاتب بعض ما طرحه سماحة السيد في كتابه الذي نشرته الملحقية الثقافية لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في دمشق، والذي يتضمن النقاط التالية:

1- واقع المرجعية الدينية والاتجاهات الفقهية المختلفة.
2- مشكلة المرجعية الدينية وانكماشها في الدائرة الخاصة لإصدار الفتاوى وعدم تحولها إلى مؤسسة متكاملة.
3- أسباب واقع المرجعية الدينية.
4- دور المرجعية في مواكبة الحياة.
5- علاقة المرجعية بالواقع الشيعي.
6- المبررات والدوافع لإطلاق مشروع "المرجعية المؤسسة".
7- الكوابح والعقبات في الإطار الفقهي.
8- نظرية ولاية الفقيه في الإطار الفقهي.
9- إشكالية العلاقة بين المرجعية المؤسسة والولاية والحلول العملية.

ومن خلال تقديم هذه الأطروحة حول المرجعية المؤسسة وما طرحه سماحة السيد من حلول وأفكار يسعى المؤلف للتأكيد على الدور الريادي لسماحته في معالجة هموم الأمة وقضاياها على ضوء الواقع المعاصر.

الأزمات التي واجهها السيد

وحول الأزمات العديدة التي واجهها السيد فضل الله بسبب آرائه الفقهية والفكرية التجديدية ودعوته لإعادة دراسة القضايا التاريخية، يعمد المؤلف إلى استعادة كل التفاصيل في هذا الإطار وخصوصاً المسألة المتعلقة بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ويعود المؤلف في هذا المجال لاستعراض بعض الجوانب التاريخية حيث يُشِّبه ما تعرض له السيد فضل الله بما تعرض له المصلح الكبير الإمام السيد محسن الأمين العاملي (قدس سره) عندما أراد إصلاح الشعائر الحسينية.

ويتناول المؤلف هذه الأزمة بالتفاصيل تحت العناوين التالية:

1- العداء للحركة الإسلامية ولخط الإمام الشهيد الصدر.
2- الخوف من المرجعية الحركية الواعية.
3- الموقف العدائي من الثورة الإسلامية في إيران.

ويتضمن هذا القسم من الكتاب بعض التفاصيل والمعلومات التي من المفيد الإطلاع عليها لاستعادة بعض الأجواء التي حصلت خلال تلك الفترة والتي تساهم في فهم أبعاد استمرار الحملة على "السيد" بعد رحيله.

ويختتم المؤلف الكتاب بالحديث عن "دار الإسلام في لندن" ودورها في مواجهة الأزمة إضافة للملاحق الخاصة حول رحيل سماحته وبيانات النعي والمواقف التي صدرت وصور التشيع والعزاء.

والكتاب كذلك يشكل وثيقة هامة لإلقاء الضوء على الدور الذي لعبه سماحة السيد على صعيد العمل الإسلامي والمرجعية الدينية والأطروحة التجديدية في هذا المجال، إضافة لنتاجاته المتنوعة وهو يضيف إلى المكتبة الإسلامية مساهمة جديدة لإعادة قراءات تجربة السيد فضل الله بعيون مختلفة.

ندوة في معرض بيروت الدولي للكتاب:
العلامة المرجع فضل الله فقه وفكر



ضمن النّشاطات الثّقافيّة والفاعليّات المرافقة لمعرض بيروت العربي والدّولي للكتاب في دورته الرابعة والخمسين، عقدت ندوة حول "العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله: فقه وفكر"، بمشاركة الأب الدّكتور جورج مسّوح، والعلامة السيّد هاني فحص. تقدّم الحضور نجل العلامة المرجع فضل الله، سماحة السيّد جعفر فضل الله، ورئيس النّادي الثّقافي العربيّ فادي تميم، وحشد من رجال الدّين والمثقّفين والمهتمّين.

أدار النّدوة الصحافيّ جورج ناصيف، واستهلّها بكلمةٍ تحدّث فيها عن "الإمام الوحدويّ الإنسانيّ، والفقيه الجريء في ما اجتهد فيه"، ووصف المرجع الرّاحل بـ "السيّد المتميّز"، وتحدّث عن "دعوته إلى وحدةٍ إسلاميّةٍ في الجوهر تعلو على الفوارق، لأنّه لم يشأ الفرقة والتّنابذ بين المذاهب الإسلاميّة، وهي كلّها تستظلّ الكتاب الواحد والنبيّ الواحد. كما أنّه أكّد الحبّ المولّد للرّحمة، ما دفعه أيضاً إلى التّيسير لا التّعسير، حيث إنّ الله يريد بعباده اليسر لا العسر".

الأب جورج مسّوح:
فضل الله هو أحد أهمّ مفكّري الإسلام المعاصر ومجتهديه




ضمن النّشاطات الثّقافيّة والفاعليّات المرافقة لمعرض بيروت العربي والدّولي للكتاب في دورته الرابعة والخمسين، عقدت ندوة حول "العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله: فقه وفكر"، وقد شارك رجل الديني المسيحي الأب الدّكتور جورج مسّوح، الأستاذ في جامعة البلمند، بمداخلة حول "السيّد محمّد حسين فضل الله والحوار الإسلاميّ ـ المسيحيّ"، واستهلّ كلامه بالإشارة إلى أنّه "لا ينكر أحد على العلاّمة السيّد محمَّد حسين فضل الله كونه مرجعيّةً دينيّةً وفكريّةً كبيرةً في الإسلام بعامّة، وفي "الإسلام الشّيعيّ" بخاصّة. وليس بإمكان أحد أن ينكر جرأته وشجاعته في فتاويه وآرائه العديدة الّتي حاول فيها تصحيح بعض المعتقدات والممارسات الخاطئة في الإسلام. كما ليس بوسع أحدٍ أن ينكر عليه إيمانه بالتّعايش الإسلاميّ ـ المسيحيّ، وبالحوار بين الأديان. هو، بلا شكّ، أحد أهمّ مفكّري الإسلام المعاصر ومجتهديه".

كما تحدَّث الأب مسّوح عن مناصرة المرجع فضل الله للعيش المشترك، وعرض لما قدَّمه في موضوع الحوار الاسلاميّ المسيحيّ، واعتبر أنّ الحوار بين المسلمين والمسيحيّين يندرج في مستويين: المستوى اللاهوتيّ من جهة، والوطنيّ من جهةٍ أخرى، وأضاف: "على الصّعيد اللاهوتيّ، يؤكّد المرجع فضل الله أنّ المسيحيّين يوحّدون الله، وأنّ الإسلام لا يعتبر النّصارى مشركين... فللمشركين حكم ولأهل الكتاب حكم آخر. ثمّ يميّز سماحته بين ما يسمّيه شركًا مباشرًا وشركًا فلسفيًّا، فيعتبر القول المسيحيّ بـتجسّد الله في السيّد المسيح مجرَّد شركٍ فلسفيّ".

وختم: "بالنّسبة إلى المرجع فضل الله، فإنّ المشكلة اللاهوتيّة لا تكمن في اعتقاد المسيحيّين بالثّالوث، فهم موحّدون، بل تكمن في إيمانهم بتجسّد كلمة الله في كيان بشريّ".

العلامة هاني فحص:
فضل الله المظلوم والعالم الفقيه والامام المرجع والأستاذ



ضمن النّشاطات الثّقافيّة والفاعليّات المرافقة لمعرض بيروت العربي والدّولي للكتاب في دورته الرابعة والخمسين، عقدت ندوة حول "العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله: فقه وفكر"، وقد ألقى العلامة السيّد هاني فحص مداخلةً بعنوان: "السيّد فضل الله: لحظة فراق...لحظة إنصاف"، وجاء فيها: "السيّد محمد حسين فضل الله، العالم الفقيه، المرجع الأستاذ الإمام، إمام الفقراء تأسيساً في النّبعة، الخطيب الواعظ المحاضر، الكاتب الباحث الشّاعر.. الجميل.. مربّي جيشٍ هائلٍ من الأيتام في مؤسّساتٍ مفتوحةٍ أبوابها، وجاهزة مقاعد الدراسة فيها، في وجه المزيد من الأيتام والفقراء".

وأضاف السيّد فحص: "هذا الكبير كان مظلوماً أيضاً، تماماً كما كان الكبار والروّاد من رعيله من رجال الدّين المسلمين الشّيعة في هذه الحقبة، حيث إنّهم لم يعدموا من ينصفهم، أو من رأى أن ينصف نفسه بإنصافهم، مُشيحاً عمّن يوظّفونهم في مشاريعهم، ويشاكلونهم في الأطروحة، ويفارقونهم في المضامين. هذا الرّجل كان يداري النّاس على قاعدة الرّحمة إلى حدّ كبير، أمّا في الرأي فلا"..

أضاف: "..وكان قليل المداراة للفقه السّاكن والفقهاء السكونيّين... ومن هنا، مدّ يده إلى الشّجرة فهزّها، فاهتزّت الألسن والأقلام والسّيوف في وجهه، ولكنّه استمرّ يطلق سراح الفتاوى التّيسيريّة في الفقه، والّتي خاف على أنفسهم منها فقهاء كبار فكتموها.. أمّا هو، فقد استفاد من جوّ الحريّات الّذي فرض نفسه كضرورةٍ على الفضاء الدّينيّ، وفي لحظة ازدياد التعصّب، وصولاً إلى العنف والإرهاب، وما يقتضى ذلك من تنميطٍ ضيّقٍ للفقه والفكر لتسويغ الإرهاب والجهل والتخلّف. هذا الرّجل المقاوم .. يحبّ المقاومة والمقاومين .. ويناقش غيرهم في المقاومة. يعترض على حاكمٍ عربيّ هنا أو هناك، من دون خلفيّةٍ مذهبيّةٍ، وبأدبٍ شديدٍ وموقفٍ عميق، ولا يمانع في التّواصل وبذل النّصح."

وأردف: "لقد كان شجاعاً جدّاً عندما اختار أن يعلن مرجعيّته من لبنان، مذكّراً كلّ علماء الأطراف الشّيعيّة، بأنّ المركز المرجعيّ في النّجف، لم يكن يلغي الأطراف الّتي كان لها مرجعيّتها المحترمة من جميع المراجع، ولكنّها كانت لحظةً شديدة الحرج، لأنّها اللّحظة التي تمت فيها المطابقة بين المرجعيّة والحاكميّة، مع تساهلٍ في الشّروط العلميّة للمرجعيّة لصالح الحاكميّة. وهذه تحسب له سنّة حسنة، لا أظنّ أنّها سوف تتكرّر أو يسمع بها ثانية".

وختم السيّد فحص: "كان لبنانيّاً وطنيّاً شفّافاً، شعراً وفقهاً وفكراً من البداية.. يحلم بأن يكون لبنان منبراً للفكر العربيّ والإسلاميّ والعالميّ، موصولاً ومحفوظاً ومحترماً من أشقّائه العرب والمسلمين ومن شعوب العالم كافّةً..كانت شيعيّته مورد غذاء لإسلاميّته، حاضنةً لشيعيته.. كلّ ذلك يجري ويتحرّك في فضاءٍ وطنيّ لبنانيّ عربيّ ودوليّ، رشّحه لأن يكون موضع ثقة الجميع وحبّهم وتقديرهم في حال الاختلاف وحال الاتّفاق معاً".

14 ديسمبر 2010

«ويكيليكس».. قراءة ما بين السطور


جعفر محمد حسين فضل الله
ممّا لا شكّ فيه أنّ ما نشره موقع ويكيليكس من «وثائق» عمّا كان يدور وراء الكواليس لدى الأنظمة الغربيّة والعربيّة، ولا سيّما تجاه أحداث ومنعطفات خطيرة شهدتها منطقتنا، كحرب الكيان الصهيوني على لبنان في 2006، أو حربه على غزّة بعدها بثلاث سنوات، وما خصّ ملفّ إيران في حركة السياسة الدوليّة بكل تشعّباته، لا شكّ في أنّه لم يزد في الأمر شيئاً لدى الشارع العربي والإسلامي، الذي حلّل واستنتج ما هو أبعد من المنشور لدى ذلك الموقع الالكتروني، ولكنّه لم يحرّك ساكناً إزاء ذلك؛ لأنّه أدمن واقعه إلى حدّ الاستقالة المطلقة من التأثير فيه. وبالتالي يُمكن تشبيه ما نُشر في ويكيليكس بخبر الموت لمن علمنا سلفاً بدخوله في الموت السريري.
وبغضّ النظر عن الهدف من وراء عمليّة النشر هذه، ومن هو المستفيد منها، فإنّ من غير الممكن الاستخفاف بما نُشر، باعتبار الوثائق مجرّد تحليلات لدبلوماسيّين، أو مجرّد انطباعات شخصيّة أو ما إلى ذلك، بل لا بدّ من الوقوف مليّاً عندها لأجل تحقيق أمرين:
الأوّل: أيّاً ما كانت الخلفيّات الكامنة وراء النشر، فإنّها تساهم في إيجاد واقع فتنويّ بين الدول،
ولا سيّما بين الدول الإسلاميّة والعربيّة، وهو أمرٌ مرفوض، ولا سيّما في هذه المرحلة التي نشهد فيها تقهقراً للمشروع الأميركي، بعد التخبّط الذي لحق به في لبنان والعراق، ولا يزال كذلك في أفغانستان، وشيئاً من التقارب القهري بين الدول العربية والإسلاميّة، ولا سيّما بين دول الخليج وإيران..
الثاني: في الوقت الذي لا ينبغي أن يُسمح فيه لما نشرت ويكيليكس من وثائق أن تبثّ الفتنة في واقعنا، فإنّها تمثّل فرصة ينبغي أن تدفعنا للنظر إلى واقعنا كما هو، ومن دون مساحيق تجميل أو كلام معسول، بُغية الانكفاء قليلاً لإصلاح واقع الحال، وهو يتمثّل في اتجاهين:
أوّلاً: أنّ الشعوب معنيّة اليوم باستعادة الثقة في قراءاتها للواقع السياسي، ولا سيّما تجاه القضايا المصيريّة، وطبيعة اللعبة الدوليّة والإقليمية التي تتحكّم فيها؛ فإنّ هذه الوثائق تؤكّد أنّ التحليلات الشعبيّة للمرحلة الماضية، هي قراءات صحيحة في ما يتّصل بطبيعة التناغم الذي يحصل في كثير من الأحيان بين سياسة البلدان والسياسة الدوليّة التي تسيطر عليها دولٌ كبرى، في مقدّمتها الولايات المتحدة الأميركية، والتي تصبّ في مصلحة كيان العدوّ بشكل وبآخر. وهذا ما يفترض أن يُبعد الشعوب عن التأثّر بكل عمليّات الإلغاء والتجهيل التي تمارسها الأنظمة السياسيّة على شعوبها، وتدفعها إلى الانكفاء عن أخذ زمام المبادرة في التأثير في مجريات العمليّة السياسيّة حتّى تحوّلت كثير من بلداننا إلى سجون كبيرة، لا تحتجز فيها السلطة شعبها فحسب، بل يُغري الشعب نفسُه السلطة بالإمعان في إلغائه من قاموس اعتبارها السياسي.
منذ زمن، أدركت الشعوب بأنّ تحكّم مجموعات سياسيّة بمفاتيح مصائر الشعوب، وترك الأمر على عواهنه، بعد اختبارات عديدة لم نحتج إلى «وثائق» ويكيليكس لنتأكّد منها، هو أمرٌ ينذر بإضاعة المستقبل والتاريخ معاً أمام مشاريع كُبرى أظهرت الوثائق أنّ الكثيرين منغمسون فيها حتّى آذانهم.
وإذا استعاد الشعب ثقته بنفسه على مستوى إمكانيّته الذاتية لقراءة ما يجري من حوله، والوصول إلى نتائج، فبالإمكان أن يستتبع ذلك ما هو أبعد من «الإنتاج المعرفي» للحلول، إلى التطبيق العملي للحلول التي تضع الأمور في نصابها الطبيعي. كما أنّ ذلك سوف يدفع القادة السياسيّين، الذين أمعنوا في إلغاء الشعب من حساباتهم في إدارة شؤون البلاد وتقرير المصير، وإلى العمل على تحقيق تصالح ما مع شعوبهم.
ثانياً: أنّ الخلفيّة التي تتعامل فيها الدبلوماسيّة الغربيّة، ولا سيّما الأميركية، مع سياسيّي العالم العربي والإسلامي عموماً، هي خلفيّة عنصريّة، تنظر إلى العالم من فوق، ولا توحي بأدنى حالة احترام للمنطقة، عبر قادتها السياسيّين، إلا بمقدار ما تُثبت بعض الدول أنّها ليست في موقع الضعف ولا يُمكن أن تقبل بمنطق الاستضعاف الذي يريد المستكبرون الدوليّون فرضه على الواقع برمّته. كما أنّنا رأينا ـ من خلال هذه الوثائق ـ أنّ هذا العالم الذي يهابه الكثيرون هو عالمٌ بشري في أدنى مستوياته الأخلاقيّة والإنسانيّة، ويصيبه ما يصيب الناس العاديّين من الشعور بالحسد والحقد والسخافة وسيادة الذهنيّة الشرّيرة في مقاربة كثير من الأمور.